Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

فلنشرع نوافذ ذواتنا…

حين يصبح التعايش أفقًا للوجود

ليس الاختلاف طارئًا على الإنسان، بل هو جزء من تكوينه؛ فكل إنسان يولد باستعدادات تميّزه، ثم تتشكل رؤيته تحت تأثير بيئته وتجربته وذاكرته، فينشأ لكل واحد منا عالمه الذهني والوجداني الذي قد لا يشبه عوالم الآخرين.

لذلك قد نختلف حتى داخل النسق الثقافي الواحد، ويصبح الاختلاف أكثر عمقًا حين تتباعد المرجعيات والتجارب. فالاختلاف في الرؤى والمواقف أمر أصيل في التجربة الإنسانية، أما التقارب فليس حالة تلقائية، بل فعل واعٍ يحتاج إلى جهد وإرادة وضمير.

أن نختلف لا يعني أن يلغي أحدنا الآخر؛ فحتى حين تتعارض رؤانا، لا يستلزم تعارضها إلغاء أصحابها، بل قد يفتح المجال لحوار يكشف لكلٍّ منا ما غاب عن نظره.

ومن هنا يصبح قبول الاختلاف شرطًا للتعايش، لا مجرد تسامح مع وجود الآخر. فالآخر ليس نقصًا في صورتنا، ولا مجرد امتداد لها؛ بل قد يكشف لنا من وجوه الحياة ما لا نستطيع رؤيته من موضعنا وحده. وكلما اتسعت الذات للاختلاف، اتسعت قدرتها على المعرفة، وتحررت من وهم امتلاك الحقيقة كاملة.

أما السعي إلى فرض النموذج الواحد، والفكرة الواحدة، والثقافة الواحدة، فهو محاولة لإلغاء التعدد الذي قامت عليه الحياة؛ إذ إن الوحدة الحقيقية لا تعني التشابه، كما أن الاختلاف لا يعني بالضرورة التنازع.

إن التعايش في جوهره هو أن نعترف للمختلف بحقه في أن يكون مختلفًا، دون أن نتخلى عن حقنا في أن نكون أنفسنا.

غير أن احترام الاختلاف لا يعني التساهل مع الظلم؛ فحق الإنسان في أن يختلف لا يمنحه حق الاعتداء على كرامة غيره أو انتهاك حقوقه

كيف نستطيع أن نتعايش مع اختلافنا، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، أو التنوع إلى صراع؟

ولعل أول شروط التعايش أن ندرك أن ما نراه من العالم ليس العالم كله، بل زاوية منه. وحين نشرع نوافذ ذواتنا، لا يعني ذلك أن نتخلى عن قناعاتنا، بل أن نمنحها فرصة للاختبار والمراجعة، وأن نرى في تجربة الآخر ما قد يغيب عن تجربتنا.

وفي المجتمع الراشد، لا يكون الاختلاف معركةً ينتصر فيها أحدنا على الآخر، ولا تتحول الفكرة إلى هوية تُقصي ما عداها. اختر ما تؤمن به، ودافع عنه بالحجة، لكن لا تجعل اختلافك مبررًا لإلغاء غيرك.

إن المجتمع الذي يستبعد بعض أبنائه بحجة اختلافهم، يضعف نفسه بيده؛ لأن البناء لا يقوم على التشابه الكامل، وإنما على اجتماع المختلفين حول ما يمكن أن يجمعهم.

لسنا مطالبين بأن نتشابه حتى نتعايش، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتوحش، وكيف نحفظ للآخر كرامته وحقه في الوجود.

فالتعايش ليس أن نتخلى عن اختلافنا، بل أن نرتقي بطريقة اختلافنا.

ومتى أدرك الإنسان أن وجود المختلف لا ينتقص من وجوده، وأن احترام الآخر لا يقتضي التخلي عن قناعاته، أصبح الاختلاف مجالًا للمعرفة، والتنوع مصدرًا للثراء، والتعايش أفقًا يتسع للجميع.

فمصيرنا واحد، وإن اختلفت طرقنا إليه.

اترك تعليقًا