حين يذوق القلب… تصبح الحياة بطعم مختلف
الذوق أوسع من أن يكون إدراكًا حسيًا؛ إنه قدرة الإنسان على أن يتلقى الأشياء لا بعقله وحده، وإنما بكيانه كله.
الذوق في حقيقته الأولى يكون في المحسوسات، ثم يتسع ليصف إدراك معانٍ لا تقع تحت الحواس؛ فنقول: ذاق الشعر، وذاق الجمال، وذاق حلاوة الإيمان.
ومن أنواع الذوق ذوقٌ مادي، كتذوق الطعام والشراب، وذوقٌ جمالي، كتذوق الفن والجمال، ذوقٌ وجداني وروحي، يتصل بمعاني الإيمان والقرب من الله.
وفي التجربة الصوفية، يرتقي الذوق إلى معنى أعمق؛ فيغدو حالًا وجدانيًا يجد فيه العارف أثر المعرفة في قلبه، حتى يصبح ما كان يدركه بالعقل تجربةً يعيشها بالروح.
ولهذا قال ابن القيم الجوزي:
“النفس ذواقة تواقة، فإذا ذاقت تاقت،” فما يذوقه القلب حقًا لا يمر به عابرًا؛ إذ يوقظ فيه شوقًا إلى المزيد. ومن هنا يصبح الذوق بداية التوق، ويصبح التوق حركةً نحو ما ذاقه القلب من معنى.
وأسمى معاني الذوق، في هذا التصور، ما اتصل بالخالق؛ حين لا يعود الإيمان مجرد أفكار تُعرف، أو أحكام تُحفظ، وإنما معنى يُعاش، وتصبح الطاعة متصلة بالفهم والمحبة، لا مجرد أداء منفصل عن الروح.
عندها قد يجد الإنسان في العبادة ما يتجاوز صورتها الخارجية؛ يجد فيها أنسًا، وسكينة، وحضورًا، ويشعر أن صلته بالله تتجدد كلما عاد إليه.
والذوق الوجداني يجعل الإنسان يشتاق إلى الأمكنة والأوقات والأحوال التي ارتبطت في نفسه بهذا الشعور. فقد يشتاق إلى مكان لأنه شهد فيه لحظة صفاء، أو إلى زمن لأنه كان أقرب فيه إلى نفسه وإلى ربه.
وكأن الإنسان، في لحظات الذوق العميق، يستعيد شيئًا من موطن روحه؛ يشعر أنه ليس مستغرقًا تمامًا في الأرض، ولا منفصلًا عنها تمامًا.
يكون حاضرًا بجسده، غائبًا عن ضجيج العالم بقلبه.
وهنا يظهر أثر الذوق في الحياة اليومية.
فالذوق الروحي لا يجعل الإنسان أقل حضورًا في الحياة، وإنما قد يجعله أكثر صفاءً في حضورها. يمنحه شيئًا من السكينة التي لا تتوقف تمامًا على تغير الظروف، ويجعله يرى الأشياء من موضع أكثر هدوءًا واتساعًا.
وقد يلتفت الإنسان بعد لحظة صفاء إلى أيامه الماضية، فيتحسر على أوقات طويلة عاشها بعيدًا عن هذا الحضور، ثم تعيده مشاغل الحياة إلى انشغالاتها، فيشتاق من جديد.
والذوق ليس حالًا ثابتًا؛ فقد يتقلب الإنسان فيه بين حضور وغياب، وإقبال وإدبار، وقرب وشوق.
ومن أجمل آثاره أن يمنح الإنسان أنسًا بالله لا يتوقف بالضرورة على وجود الآخرين. فقد يكون المرء وحيدًا في المكان، لكنه لا يشعر بالوحشة؛ لأن القلب إذا امتلأ بمعنى يجد فيه أنسه، لم تعد الوحدة فراغًا بالضرورة.
ومن هنا جاءت العبارة الصوفية العميقة: الذوق يوحشك عن كل ما سوى الله؛ لا بمعنى أن تنقطع عن العالم أو تهجر الناس، وإنما أن يتحرر القلب من أن يجعل شيئًا من المخلوقات غايته النهائية.
وقد يصف أهل التجربة هذه الأحوال بأنها فيوض من الرحمة والنور، تشرق بها النفس وتستعيد قدرتها على رؤية الحياة بمعنى أعمق. وهي أحوال تعجز الكلمات عن نقل حقيقتها كاملةً إلى من لم يذقها؛ فالفرق بين معرفة معنى الحلاوة وتذوقها هو الفرق بين أن تعرف الشيء وأن تعيشه.
فالذوق معرفةٌ يعبر فيها المعنى من العقل إلى الوجدان.
وحين يذوق الإنسان معنى القرب، قد تتغير علاقته بما يجري عليه؛ فلا يعني ذلك أن الألم يختفي، أو أن الأحداث تصبح دائمًا كما يريد، وإنما يصبح قادرًا على استقبالها بقدر أكبر من السكينة والثقة.
أن تعيش في حضرة الله، في هذا المعنى، لا يعني أن تترك الأرض، وإنما أن تعيش فيها بقلب لا تستعبده الأرض.
تعمل، وتحب، وتكابد، وتفرح، وتحزن؛ لكنك لا تجعل أيًا من ذلك مركز وجودك الأخير.
الروحانية ليست خروجًا من الحياة، بل طريقة أخرى للحضور فيها.
وربما كان الذوق إحدى اللحظات التي يلتقي فيها العلم بالإيمان، والمعرفة بالمحبة، والعبادة بالحضور.
فقد يعرف الإنسان الطريق بعقله، لكنه لا يسير فيه إلا إذا تحرك قلبه.
وقد يعرف معنى القرب، لكنه لا يشتاق إليه حتى يذوق شيئًا منه.
وهنا يبدأ الذوق: حين لا تبقى معرفة الله معنى يدركه العقل فحسب، بل تصبح قربًا يعيشه القلب، ويجد فيه شيئًا من السكينة التي كان يبحث عنها في كل شيء.
هنيئًا لمن ذاق من الإيمان ما جعله يشتاق، ومن القرب ما جعله يأنس، ومن الحضور ما أعاده إلى الحياة بقلب أكثر صفاءً.
فمن ذاق عرف، ومن عرف اشتاق، ومن اشتاق مضى.

اترك تعليقًا