عندما يسقط كل الكلام في الصمت، ماذا يبقى للإنسان؟
لماذا يصمت الإنسان؟ وهل الصمت متاح لنا دائمًا، أم أنه يصبح أحيانًا الملاذ الأخير حين تضيق الخيارات، فيتحول من اختيار إلى اضطرار؟
للصمت وجوه متعددة؛ منه ما نلجأ إليه بإرادتنا، ومنه ما تدفعنا الحياة إليه حين تضيق بنا سبل الكلام.
نصمت أحيانًا لأننا نريد الصمت؛ حين نمارس التأمل، أو حين تحلق الروح بعيدًا عن صخب العالم، فتجد في السكون مجالًا لاستعادة ذاتها. إنه صمت لا يخلو من الكلام، بل ربما كان أكثر امتلاءً به؛ ففيه تنحسر ضوضاء الحواس، وينصت الإنسان إلى أعماق ذاته، فيسمع ما لا يسمعه في ضجيج الحياة، ويحضر المعنى في الوعي دون حاجة إلى أن يتحول فورًا إلى كلمات.
إنه صمت التأمل، حيث لا يكون غياب الكلام فراغًا، بل حضورًا من نوع آخر.
لكن ثمة صمتًا آخر لا نختاره، وإنما ندخل إليه مضطرين؛ تفرضه علينا الظروف، أو تعجز اللغة عن احتواء ما نشعر به. فما الذي يدفع الإنسان إلى هذا الصمت، ويجعل البوح متعذرًا عليه؟
قد يصمت حين تصدمه حقيقة لم يكن مستعدًا لها، أو أمام شدة لا يجد لها جوابًا، أو حين يدرك أن الكلام لن يغير شيئًا. وقد يصمت خوفًا من انكشاف ذاته أمام الآخرين، أو خشية أن يُساء فهمه، أو لأن الألفة التي كانت تجمعه بشخص ما قد تراجعت، فلم يعد يجد في الكلام معه ما كان يجده من قبل.
وأحيانًا نصمت لأننا لا نملك اللغة التي تستطيع أن تقول ما في داخلنا.
فماذا يفعل الإنسان حين تشتد الرياح وتنسد أمامه منافذ الحياة؟
كيف يبقى قائمًا حين تعصف به الأيام، وتتداخل الأفكار في رأسه حتى يكاد لا يستطيع أن يفصل بعضها عن بعض؟
عندها قد يصبح الصمت ملاذًا، ويغدو حديث الذات نوعًا من السلوى. فمن منا لم تحدثه نفسه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يفرّ طويلًا من ذلك الصوت الداخلي الذي يرافقه أينما ذهب؟
الصمت ليس نقيض الكلام دائمًا؛ أحيانًا يكون هو المساحة التي يتشكل فيها الكلام قبل أن يُقال، وأحيانًا يكون ما يبقى حين تصبح الكلمات أضيق من التجربة.
الكلمات لا تظهر فجأة على اللسان؛ إنها تتشكل أولًا في الخيال، وتدور في فضاء النفس قبل أن تجد طريقها إلى الكلام أو الكتابة. وكأن للكلمة حياة خفية قبل أن تولد، تتشكل في النفس حتى تجد لنفسها طريقًا إلى الوجود.
وحين تتزاحم الكلمات، قد يصبح العقل نفسه عاجزًا عن اختيار ما ينبغي أن يقال. لا لأنه لا يملك كلامًا، بل لأن لديه من الكلام أكثر مما يستطيع قوله.
وهنا يصبح الصمت أحيانًا وسيلة لحماية الإنسان من كلمات قد تخرج في لحظة انفعال، ثم يعجز عن استردادها.
فالصمت دواء وداء.
هو دواء حين ننسحب قليلًا من صخب الحياة، ونمنح أرواحنا فسحة تستعيد فيها توازنها، فنصغي إلى ما غاب عنا وسط الضجيج.
وهو داء حين يصبح عجزًا عن البوح، أو خوفًا دائمًا من الكلام، أو اعتيادًا على كتمان ما ينبغي قوله حتى يفقد الإنسان قدرته على التعبير.
فالإنسان لا يتأذى من الكلام وحده؛ قد يؤذيه أيضًا ما ظل طويلًا حبيسًا في داخله.
ومع ذلك، يبقى الصمت في مواضع كثيرة أرفع من كلام لا غاية له، ومن ثرثرة تستنزف المعنى ولا تترك وراءها فعلًا نافعًا.
فليست الحكمة في أن نتكلم دائمًا، كما أنها ليست في أن نصمت دائمًا؛ وإنما في أن نعرف متى يكون الكلام حياة، ومتى يكون الصمت حكمة، ومتى يتحول أحدهما إلى هروب من مواجهة الذات أو الحقيقة.
وهكذا، ليس كل صمت فراغًا، كما أن ليس كل كلام حضورًا.
فقد يعلو ضجيج الكلمات، بينما يبقى الإنسان غائبًا عن ذاته؛ وقد يسود الصمت، وفي داخله عالم كامل من المعاني.

اترك تعليقًا