Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

حين تبحث عن معنى لحياتك…تبدأ رحلتك نحو الحقيقة

هل يستطيع الإنسان أن يجد إجابةً عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها وجوده؟ 

من أنا؟ لماذا أعيش؟ من هو الله؟ ما مصيري؟ وما معنى الحياة؟ 

هل لوجودي غاية، أم أنني مجرد عابر في هذا العالم؟

ما معنى العالم؟ وكيف ينبغي أن أحيا؟

هذه ليست أسئلةً تبحث عن معلومة جزئية، وإنما أسئلة تتعلق بمعنى الوجود وغايته ومصير الإنسان. ولذلك قد تتحول، حين تستقر في وعي الإنسان ولا يجد لها أفقًا يطمئن إليه، إلى ما يمكن تسميته قلقًا وجوديًا ذا بُعد ميتافيزيقي.

فالقلق الوجودي يتعلق بمواجهة الإنسان للأسئلة الأساسية لوجوده: الحرية، والموت، والمسؤولية، والمعنى، والمصير.

أما البعد الميتافيزيقي فيتجاوز حدود التجربة المحسوسة المباشرة، ليتساءل عن أصل الوجود، وعلته، وغايته، وعن الله، والروح، والمصير وما وراء الحياة.

ومن هنا فالأدق ألا نعدّ هذا القلق مرضًا نفسيًا في ذاته؛ فالقلق الوجودي قد يكون تجربة إنسانية طبيعية، بل قد يكون دافعًا إلى التأمل وإعادة بناء رؤية الإنسان لحياته. وإنما يصبح أكثر وطأة حين يعجز الإنسان عن إيجاد معنى يستند إليه، فيتحول السؤال من وسيلة للفهم إلى مصدر دائم للاضطراب.

وعندها قد ينشأ الفراغ الوجودي؛ أي الشعور بأن الحياة تفتقد غايةً أو قيمةً تمنحها معنى، رغم توافر كثير من أسباب العيش المادي.  وهنا قد يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة مؤلمة:

قد يمتلك أسباب الراحة، ولا يمتلك سببًا مقنعًا للحياة.

وقد تنجح حياته في الخارج، بينما يشعر في داخله بأنها خالية من المعنى.

فالإنسان لا يبحث عن إشباع حاجاته المادية وحدها، وإنما يبحث كذلك عن معنى يفسر له وجوده، ويمنح أفعاله اتجاهًا وغاية.

وحين يشتد الفراغ الوجودي، قد يلجأ الإنسان إلى الهروب من السؤال بدل مواجهته؛ فيغرق في العمل، أو الاستهلاك، أو اللهو، أو بعض أنماط الإدمان، بحثًا عن تخفيف الضيق الداخلي أو إسكاته.

وهنا يمكن استخدام تعبير “الانتحار المعنوي” بوصفه تعبيرًا فلسفيًا أو مجازيًا، لا مصطلحًا نفسيًا سريريًا؛ للدلالة على محاولة الإنسان إخماد وعيه بمشكلته بدل مواجهتها والبحث عن معنى لها.

لكن ما أصل هذا القلق؟

إنه، في أحد أعمق مستوياته، سؤال المعنى.

معنى الحياة، ومعنى الإنسان، ومعنى الوجود.

يحاول الإنسان أحيانًا أن ينشئ لنفسه معنى خاصًا، يضفيه على حياته وأفعاله وأشيائه، حتى يستطيع مواصلة العيش.

وهنا يظهر السؤال الفلسفي:

من أين يستمد الإنسان المعنى الذي يمنحه لوجوده؟

هل يستطيع أن يكون هو المصدر النهائي لمعنى حياته، مع أنه لم يختر أصل وجوده؟

وكيف يستطيع الإنسان أن يمنح معنى نهائيًا لوجود لم يكن هو مصدره، وإنما وجد نفسه فيه قبل أن يختار شيئًا منه؟

إنها ليست مجرد مسألة نفسية، وإنما مسألة تتصل بفلسفة الوجود نفسها؛ إذ تتعلق بالعلاقة بين الوجود والغاية والمعنى، وبالسؤال عن مصدر هذه الغاية وهذا المعنى.

لكن إذا كان الإنسان لم يختر أصل وجوده، فهل يستطيع أن يكون هو المصدر النهائي لمعنى هذا الوجود؟

وإذا كان الإنسان لم يمنح نفسه الوجود، فليس من السهل أن يجعل نفسه المصدر النهائي للغاية التي من أجلها وُجد.

ومن هنا تبدأ النقلة من سؤال المعنى إلى سؤال المصدر.

وهنا يقدم التصور الإيماني إجابة مختلفة: فالإنسان ليس المصدر النهائي لمعنى وجوده؛ لأن الحياة نفسها ليست فعلًا صادرًا عنه.

فالذي يمنح الحياة هو الذي يمنحها غايتها، والذي أوجد الإنسان هو الأقدر على أن يكشف له لماذا وُجد. إنه الخالق… هو الله.

ومن هنا يصبح البحث عن معنى الحياة، في المنظور الإيماني، بحثًا يتجاوز الذات المنعزلة إلى مصدر وجودها. فالمعنى، في هذا التصور، ليس شيئًا يخترعه الإنسان ليعلّقه على حياة بلا غاية، وإنما حقيقة يسعى إلى اكتشافها في علاقته بخالقه، والغاية التي من أجلها وُجد.

وهنا يتغير اتجاه السؤال نفسه.

فيتحول السؤال من: «كيف أصنع معنى لحياتي؟» إلى سؤال أعمق: «ما المعنى الذي أُوجدت من أجله؟»

والفرق بين السؤالين ليس في صياغتهما فقط، وإنما في تصور الإنسان لموقعه من الوجود؛ فالأول يجعل الإنسان مصدر المعنى، بينما الثاني يجعله باحثًا عن معنى يتجاوز ذاته.

ولهذا قد لا يكون تجاوز القلق الوجودي في إسكات الأسئلة، وإنما في الوصول إلى رؤية تمنح هذه الأسئلة أفقًا، وتمنح الوجود معنى.

وحين يتحول سؤال المعنى من حيرةٍ مفتوحة إلى غايةٍ يدركها الإنسان، تتغير علاقته بالحياة نفسها.

فالإنسان الذي يعرف لماذا يعيش، يصبح أكثر قدرة على احتمال مشقة العيش.

والذي يرى غاية تتجاوز اللحظة، لا تعود آلام اللحظة قادرة وحدها على تحديد قيمة حياته.

أما حين تنقطع الحياة عن غايتها، فقد تتحول الحرية إلى حيرة، والاختيار إلى عبء، والمستقبل إلى فراغ.

إن سؤال المعنى لا يمكن إلغاؤه من حياة الإنسان؛ لأنه جزء من وعيه بذاته ووجوده. وأعمق إجابة عنه لا تأتي من الإنسان وحده، وإنما من علاقته بمن وهبه الوجود.

ابحث عن معنى حياتك، لا في الأشياء التي تملكها، وإنما عند واهب الحياة.

اترك تعليقًا