Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

ما بين التواصل الحق والتواصل الزائف

التواصل… حين يكون الآخر غائبًا والإنسان حاضرًا

التواصل أعمق من الاتصال؛ فالـاتصال قد يكون في اتجاهٍ واحد، ولا يشترط المبادلة، بينما التواصل يقوم على اتجاهين، ويشترط التفاعل والمبادلة.

قد يكون تواصلك مع بشرٍ مخصوصين، أو مع ذاتك التي بين جنبيك.

ومع أن الناس من حولك كُثر، فإنك لا تستطيع التواصل الحقيقي مع أحدٍ منهم إلا فيما ندر.

إنك منعزل، ولكنك لست وحيدًا.

فالعزلة الحقيقية قد تلقي بوجودك كله في حوارٍ واسع مع جوهر الأشياء، فتدخل معها في عملية تواصل حقيقي.

وتلك الأشياء هي التي تضفي الجمال على وجودك، وتحقق لك الألفة، وتشعرك بالسعادة؛ لا مجرد كثرة البشر من حولك.

فالامتلاء الخارجي، خارج ذاتك، قد يشعرك بالعزلة، بينما الامتلاء الداخلي، داخل ذاتك، قد يمنحك الألفة.

وقد يكون شعورك بالعزلة، والناس من حولك، شعورًا جميلًا؛ كأنك تطير في عالمك الخاص، يسير عقلك ممتلئًا بالأفكار، لا تكاد تفرغ من فكرة حتى تولد فيه أخرى.

تنتقل من فكرة إلى أخرى، كانتقال النحلة بين أزهار الربيع.

وجميع أفكارك تشعرك بالسعادة؛ لأنها تمثل تواصلك الحقيقي، فهي صدى تفاعلك مع الكون من حولك، وحوارك المستمر مع ما يحيط بك.

أما في تواصلك الزائف، فيحيط بك الناس، لكنك تشعر أنك بعيد… بعيدٌ جدًا.

تفصلك عنهم آلاف الأميال، وهم إلى جوارك.

لا تشعر بالآخرين من حولك؛ كلهم غرباء. تجلس بينهم فلا تأنس بهم، بل تستوحش من وجودك بينهم.

تحاول التحدث، ولكن لا صوت لك…

تحاول أن تشير، ولكن لا يد لك…

تحاول أن تبتسم، إلا أن البسمة قد ضاعت منك.

وفي زحمة الأيام، تصبح معادلة وجود الإنسان الحقيقي صفرية؛ لا ناتج لها.

وتأتي وسائل الاتصال الحديثة بأدواتها ومنصاتها، فتخلق أحيانًا إجماعًا مفتعلًا، تغلفه ثرثرة لا تنتهي.

يتوحد فيه الذوق والنمط، بل وحتى العواطف والقيم، فتخفي هذه الكثرة وراءها عزلةً حقيقية؛ إذ يبدو الإنسان متصلًا بالجميع، بينما قد يكون منفصلًا عن نفسه.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت وسائل الاتصال، ليس بالضرورة أن يزداد التواصل؛ فقد نعرف عن الآخرين أكثر، دون أن نقترب منهم أكثر.

فليس كل اتصالٍ تواصلًا، وليس كل اجتماعٍ أُلفة، وليس كل قربٍ اقترابًا.

قد يكون الإنسان محاطًا بالناس، لكنه يعيش أبعد ما يكون عنهم.

وقد يكون وحيدًا في الظاهر، لكنه يعيش أعمق حالات التواصل مع ذاته، ومع الأشياء، ومع الكون من حوله.

لذلك، قد يكون تواصلك الحق هو ذلك الذي يعيدك إلى ذاتك، ويفتحك على العالم من حولك، بينما يكون تواصلك الزائف هو الذي يكثر فيه الآخرون، ويغيب فيه الإنسان.

الاتصال قد يجمع الأجساد، أما التواصل الحقيقي فيجمع الأرواح والمعاني.

فليست العبرة بكمّ من حولك، وإنما بعمق من يصل إليك، وبعمق ما تصل إليه.

أضف تعليق