بين الطبع الفطري والتطبع المكتسب رحلة من المجاهدة والصبر، فهل ينجح الإنسان في تغيير نفسه؟
هل يستطيع الإنسان أن يغيّر طباعه كما استطاع أن يغيّر طباع بعض الحيوانات حين روّضها ودجّنها؟ أم أن الطباع الإنسانية أعمق من أن تُعاد صياغتها؟
الطبع هو ما جُبل عليه الشيء، وما يميل إليه بفطرته. فمن طبيعة النبات أن يتجه نحو النور، ومن طبيعة النار أن تحرق، ومن طبيعة الإنسان أن يطلب الأمن، ويأنس بالآخرين، ويبحث عن المعنى والانتماء.
الطبع مادة أولية، أما الخلق فهو الصورة التي يصوغها الإنسان من تلك المادة.
والطبع سابق على الاختيار، أما الخلق فهو ثمرة التزكية والمجاهدة. ولهذا كان الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، لا لأنه يختار طباعه الأولى، بل لأنه يملك القدرة على توجيهها وضبط آثارها.
ويحمل كل إنسان مجموعة من الطباع والاستعدادات التي تتكون من عوامل فطرية، وتتأثر كذلك بالبيئة والتربية وتجارب الحياة. ومع مرور الزمن تترسخ هذه الطباع حتى تبدو وكأنها جزء لا ينفصل عن شخصيته.
ولذلك فإن للطباع مسارًا تميل إلى العودة إليه؛ فقد ينجح الإنسان في كبحها أو تعديلها فترة من الزمن، لكنها كثيرًا ما تعود إلى الظهور، ولا سيما في لحظات الضغط، أو الغضب، أو الخوف، أو الامتحان. فالشدائد لا تصنع الطباع، وإنما تكشفها؛ إذ تسقط الأقنعة التي قد يلبسها الإنسان في أوقات الراحة، فتظهر الميول العميقة التي لم تُهذب بعد.
وقد تكون الطباع مصدر جذب للناس، كما قد تكون سببًا لنفورهم، لأنها تصاحب الإنسان في حله وترحاله، وتظهر في كلماته، وانفعالاته، وطريقة تعامله، مهما حاول إخفاءها.
كما أن بعض الاستعدادات الشخصية قد تتكرر داخل الأسر، نتيجة تداخل العوامل الوراثية والتربوية، فتتشابه السمات العامة بين الآباء والأبناء، مع بقاء كل شخصية محتفظة بخصوصيتها، غير أن الاستعداد ليس قدرًا محتومًا، وإنما قابلية تتأثر بالتربية والإرادة.
ولكن، هل الطباع ثابتة لا تتغير؟
الأخلاق والعادات أيسر تغيرًا من الطباع؛ لأنها تُكتسب بالممارسة، ويكون طريقها التخلق بالفضائل، وتكرار الأفعال الحسنة حتى تصبح سجية. كما أن الأذواق تتبدل بالخبرة والانفتاح والتجربة.
أما الطباع، فهي أكثر رسوخًا؛ ولذلك فإن تغييرها أصعب، لكنه ليس مستحيلًا.
فصاحب الطبع الحاد قد لا يتحول إلى إنسان هادئ بطبعه تمامًا، لكنه يستطيع أن يتعلم السيطرة على حدته، وأن يحسن إدارة انفعالاته حتى لا تتحكم فيه. فالنضج ليس أن يقتل الإنسان طبيعته، بل أن يقودها؛ فالشجاعة إذا لم تُهذب أصبحت تهورًا، والحساسية إذا لم تُضبط أصبحت ضعفًا، والحزم إذا لم يرافقه رحمة أصبح قسوة، والكرم إذا خلا من الحكمة أصبح تبذيرًا. وهكذا لا يكون المقصود دائمًا إزالة الطبع، بل تهذيبه، وتوجيهه، والحد من آثاره السلبية.
ومن هنا فإن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي بالذات؛ فكلما عرف الإنسان طباعه، أدرك مواطن القوة والضعف فيها، وأصبح أقدر على إدارتها بدل أن تكون هي التي تديره.
ولذلك فإن محاولة تغيير الآخرين بالقوة كثيرًا ما تبوء بالفشل، لأن التغيير لا يثمر إلا إذا انطلق من إرادة صاحبه، واقتناعه بضرورة الإصلاح.
ومن أنجع وسائل التغيير أن يحيط الإنسان نفسه بمن يتصفون بالخصال التي يتمنى اكتسابها؛ فالنفوس تتأثر بالمخالطة، والعادات تنتقل بالمعاشرة، والطباع تلين بالقدوة الصالحة.
وقد قيل قديمًا: “المزاولات تعطي الملكات.” أي إن ما يداوم عليه الإنسان يصبح جزءًا من شخصيته، فكثرة الممارسة والتكرار تجعل الفعل عادة، ثم تتحول العادة إلى سجية مستقرة.
ولهذا فإن السيطرة على الطباع لا تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج إلى صبر طويل، وتكرار للمحاولة، ومراجعة للنفس. فالطبع الذي ترسخ عبر سنوات لا يتبدل في أيام، وإنما يسلك في تغييره الطريق نفسه الذي سلكه في ترسخه، ولكن في الاتجاه المعاكس.
ومع الزمن، تضعف الطباع غير المرغوبة إذا لم تجد ما يغذيها، وتقوى الطباع الحسنة إذا وجدت بيئة ترعاها، وعادة تكررها، وإرادة تصونها.
فالإنسان ليس أسير طباعه، كما أنه ليس منفصلًا عنها؛ فهي بذور أودعها الله فيه، منها ما يحتاج إلى رعاية حتى يثمر، ومنها ما يحتاج إلى تهذيب حتى لا يؤذي صاحبه ومن حوله. وبالصبر، والمجاهدة، ودوام المحاولة، يستطيع الإنسان أن يحول طباعه من قوى عمياء تقوده، إلى طاقات واعية يقودها هو نحو الخير. فالطبع بداية الطريق، أما التهذيب فهو الذي يحدد وجهته، ويصنع مصيره الأخلاقي.

أضف تعليق