Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

الخيال إمكانات لا متناهية

يُعرَّف الخيال في الفلسفة بأنه قدرة العقل على تشكيل الصور والمعاني في غياب الحضور المباشر للمحسوسات، فيصبح العقل وسيطًا يحوِّل الأفكار إلى تصورات، ثم قد يحوِّل تلك التصورات إلى واقع.

ويسهم الخيال في تداعي الأفكار واستدعاء بعضها بعضًا بعلاقات تشابهية، أو تجاورية أو سببية؛ فالفكرة قد تستدعي نظيرتها، والمعنى قد يقود إلى معنى آخر. ويعمل العقل في هذا كله وفق سننٍ دقيقة قد لا ندركها، لكننا نلمس آثارها مع طول التجربة والممارسة.

يشغل الخيال مساحة واسعة من حياة الإنسان، وإن تفاوت الناس في مقدار ما يمنحونه له من حضور. وللمخيلة أثر بالغ في توجيه الإنسان نحو القوة أو الضعف؛ فمن يتخيل نفسه قادرًا على الإنجاز، يسعى إلى تحويل ما تخيله إلى واقع، ومن لا يرى في نفسه إلا العجز، كثيرًا ما يستسلم له. وكذلك يفعل الخيال في الأمم؛ فما تتخيله عن نفسها كثيرًا ما يرسم حدود مستقبلها.

وقوة الخيال جامحة؛ فقد ترتقي بالإنسان إلى أعالي القمم، وقد تهبط به إلى أوحال الأوهام. فإذا ضاق الخيال وانحصر في الشهوات والمتع العابرة، ضعف العقل عن مواجهة تحديات الواقع، فأصبح الخيال مهلكة، أما إذا اتجه إلى ما ينفع الإنسان، تحول إلى مصدر للإبداع والبناء.

ويعيش الإنسان مع خياله في حالٍ من الترقب والانتظار، يرصد ما شيّد في ذهنه، ولا يهدأ حتى يراه حقيقةً ماثلةً أمامه.

وللخيال صور متعددة؛ فمنه الخيال العلمي الذي مهد لكثير من الاختراعات، كالطائرات وغيرها، ومنه الخيال الكوني الذي وسّع آفاق التأمل في الكون وأسهم في ازدهار علوم الفلك عند المسلمين، ومنه الخيال المعماري الذي تجلى في روائع عمارة الأندلس، ومنه الخيال السياسي والحضاري الذي ألهم الأمة ومكنها من بناء دولتها، وبسط رايتها، وصياغة مشروعاتها الكبرى. 

والخيال حاضر في كل إنجاز إنساني. به يسمو الإنسان فوق واقعه المضطرب، ويخلق لنفسه أفقًا أوسع من حدود الحاضر. فهو يفتح أمام العقل فضاءات لا تحدها الجدران، ولذلك استطاع الكفيف أن يبصر بعقله ما لا تراه العين، واستطاع السجين أن يتجاوز سجانه بفكره، وإن ضاق عليه المكان.

ولا يكاد يتحقق إنجاز عظيم إلا وكان الخيال أحد أسبابه. فكل مشروع كبير بدأ فكرةً في عقل صاحبه، ثم نما حتى صار واقعًا. وما إن تبدأ لحظة التخيل، حتى تُزرع بذور مسار جديد، قادر على تجاوز العوائق والانطلاق نحو الممكن.

وقد تجلى الخيال المبدع في محطات تاريخية كثيرة؛ ففي فتح القسطنطينية تمثل في ابتكار نقل السفن برًّا، وهو حل لم يكن مألوفًا في زمانه، كما تجلى في هجوم أكتوبر، وذلك في ابتكار خطط قتالية كسرت ما كان يُظن أنه مستحيل.

والخيال حاضر كذلك في الحياة الإيمانية؛ فالمؤمن يستحضر بعقله وقلبه نعيم الجنة الذي وعد الله به عباده، فيمده ذلك بالصبر، ويقوي عزيمته على العمل الصالح، ويهون عليه مشقة الطريق.

ولذلك، يصعب تصور تقدمٍ حقيقي في حياة الإنسان من غير خيال. فالخيال هو الطاقة التي تمده بالقدرة على السعي نحو الغاية، وهو القوة التي تدفعه إلى تجاوز حدود واقعه، لا بالهروب منه، بل بإعادة تشكيله نحو الأفضل.

فلنمنح الخيال مكانه اللائق في حياتنا؛ فلعل كثيرًا من مشكلات اليوم لا تنتظر قوةً أكبر، ولا مالًا أكثر، بل تنتظر فكرةً لم تخطر بعد على عقل إنسان. فما من واقعٍ عظيم إلا وكان، في بدايته، خيالًا يسكن عقل صاحبه.

أضف تعليق