الإرهاب الفكري سيفٌ مسلّط على كل من تسوّل له نفسه أن يغرد خارج السرب، أو أن يطرح سؤالاً لا ترغب الجماعة في سماعه. فيُخوَّن، ويُفسَّق، ويُبدَّع، لا لجرمٍ اقترفه، وإنما لأنه أعمل عقله، ورأى الأشياء من زاوية لم تألفها الجموع.
والإرهاب الفكري لا تمارسه الدول والجماعات فحسب، بل قد يمارسه الأفراد بعضهم على بعض، حين يتحول الاختلاف من فرصة للحوار إلى تهمة، ويصبح التفكير المختلف تهديداً للهوية والثوابت والمكتسبات.
وحين يُحاصر العقل بالخوف، لا يعود السؤال بحثاً عن الحقيقة، بل يصبح مخاطرة، ولا يعود التفكير فعلاً معرفياً، بل يتحول إلى امتحان للنجاة من أحكام الآخرين. وهنا يبدأ اغتيال العقل؛ إذ يُدفع الإنسان إلى تعطيل قدرته على النقد والمراجعة، والاكتفاء باستعمال عقله في تدبير معاشه، أما في شؤون الفكر والمعرفة فيستعير عقول الآخرين.
الإرهاب الفكري يقف سدًا أمام الفعل الحضاري؛ لأنه يغلق أبواب الاحتمال، ويمنع مراجعة الأفكار، ويعطل القدرة على اكتشاف الأخطاء وصناعة البدائل. فالأمم لا تتقدم بعقلٍ يخشى السؤال، ولا تنهض بفكرٍ يرى في كل اختلاف خروجاً عن الجماعة.
والثبات على المبادئ شيء، وجمود العقل شيء آخر. فالثبات يحتاج إلى وعيٍ وبصيرة، أما الجمود فيحتاج إلى الخوف من المراجعة. وما أكثر الأفكار التي تحولت من قناعات قابلة للنقاش إلى أصنام فكرية، يُدافع عنها أصحابها لا لأنها حق، بل لأنها مألوفة.
وحين يسود الإرهاب الفكري في مجتمع، يُصاب العقل بالشلل، ويصبح الناس أكثر حرصاً على السلامة من حرصهم على الحقيقة، وأكثر اهتماماً بما سيقوله الآخرون من اهتمامهم بما ينبغي أن يقولوه هم. وعندها تخسر الأمة طاقتها النقدية، ويضيق مجال الإبداع، ويتحول المجتمع إلى كتلة متشابهة، يخاف أفرادها أن يخرج من بينهم صوت مختلف.
إن أخطر ما يفعله الإرهاب الفكري ليس إسكات صوتٍ هنا أو فكرةٍ هناك، وإنما صناعة إنسان يخاف أن يفكر قبل أن يخاف أن يتكلم. وهكذا يتحول الأمر من قمعٍ للتعبير إلى قمعٍ للتفكير، وحين يصل الخوف إلى العقل، يصبح الصمت عقيدة، والتقليد فضيلة، والاختلاف جريمة.
ولذلك كان الاجتهاد ضرورة من ضرورات الحياة الفكرية، وللمجتهد أجره إن أخطأ، وأجران إن أصاب؛ لأن الخطأ في طريق البحث عن الحقيقة أكرم من الجمود على وهمٍ لم يُختبر.
فلا تُغتال العقول حين تُمنع من الكلام فقط، بل حين تُقنع بأنها لا تملك حق التفكير. فاحموا العقل من الخوف، واتركوا للأسئلة حقها في أن تُطرح، وللأفكار حقها في أن تُناقش، وللحقيقة أن تنتصر بالحجة لا بالقمع.

أضف تعليق