لن تمنحك الحياة كل ما تريد، لأنها لم تُخلق لتكون موطن الاكتمال. فما نراه فيها ليس إلا ظلالًا باهتة لحقائق أعمق؛ تمنحنا من الأشياء لمحات، ومن اللذات مذاقات، ثم تتركنا نتعلق بما ذقناه، فإذا فقدناه أصابنا الحزن، وكأننا فقدنا الحياة نفسها.
ولعل كثيرًا من بؤس الإنسان يبدأ حين يطلب من الحياة أن تمنحه ما ليس فيها. يريد فرحًا لا ينقطع، وامتلاكًا لا يفقده، وأمانًا لا يتغير، وعلاقات لا يطالها الفراق. ثم يصطدم بحقيقة أن الحياة بطبيعتها لا تمنح شيئًا على وجه الدوام.
فلا تُحمّل الحياة ما لم تُخلق له، ولا تنتظر منها اكتمالًا لا تملكه. خذ منها ما تمنحك، وعش ما يأتيك منها بوعي، ولا تجعل ما لم تأتِ به سببًا في إفساد ما بين يديك. فإن جاءت الحياة بما تحب، فاستقبلها بامتنان، وإن منعت عنك ما تريد، فلا تجعل غياب ما لم تأخذ سببًا في إضاعة ما بقي لك من عمرك. إن الانتظار الطويل يستنزف العمر، ويجعل الإنسان أسيرًا لما لم يأتِ بعد. فالإنسان حين يعلّق حياته على ما لم يحدث بعد، يفوته ما يحدث الآن. وقد يقضي سنواته منتظرًا لحظة يظن أنها ستبدأ فيها حياته، ثم يكتشف أن الحياة كلها كانت تمر أمامه وهو ينتظرها.
وقد تتزين الحياة وتتبدل ألوانها، لكنها لا تمنح سعادة كاملة ولا حزنًا دائمًا. كل فرح فيها يحمل بذرة زواله، وكل حزن يخفي في داخله إمكانية الانقشاع. ولهذا فإن من يعلّق قلبه بالدنيا وحدها يظل يطارد شيئًا لا يستقر له قرار؛ فما إن يبلغ ما أراد حتى يبدأ الخوف من فقدانه، أو البحث عن شيء آخر يحل محله.
لكن المشكلة ليست في أن نحب الحياة أو نستمتع بما أودع الله فيها من جمال، وإنما في أن نعيش على سطحها دون أن نبحث عن معناها. فهناك فرق بين أن يعيش الإنسان الأشياء، وأن يفهمها؛ وبين امتلاكها دون إدراك قيمتها، وبين أن يمر بالحياة وأن يعي ما تريد أن تقوله له.
لذلك ليس دورنا أن نطلب من الحياة أن تمنحنا كل شيء، بل أن نبحث عن حقيقة الأشياء فيها؛ أن نعيش جوهرها لا قشورها، ومعانيها لا مبانيها، وأن ندخل في علاقة عميقة مع الوجود من حولنا، فننصت إليه ونتفاعل معه ونفهم ما وراء ظواهره، وأن نرى في التجارب التي تمر بنا أكثر من مجرد وقائع عابرة، بدل أن نجتازها عابرين كأنها لم تكن.
وتلك العلاقة العميقة بالحياة تقتضي منا ألا نقبل الواقع كما هو دائمًا، بل أن نتمرد على ما يعيق إنسانيتنا، ونحوّل حاضرنا إلى خطوة نحو واقع أفضل ومستقبل أليق بما نؤمن به.
وربما يكمن سر الحياة في شيء أبسط وأعمق: أن تترك أثرًا حسنًا يدل عليك بعد غيابك. أن تمنح الحياة من جهدك وعرقك، وأن تغرس في أرضها بذورًا قد لا تراها وهي تنبت، دون أن تجعل انتظار الثمرة شرطًا للعمل.
ازرع، ثم امضِ.
فليس كل ما نغرسه سنراه، وليس كل أثرٍ طيب يحتاج إلى شاهد. يكفي أن تكون قد أضفت إلى هذا العالم شيئًا من الخير قبل أن تغادره.
قد تضع كلمة في قلب إنسان، أو تعلم علمًا، أو تصنع معروفًا، أو تفتح طريقًا أمام أحد، ثم تمضي دون أن تعرف إلى أين ذهب أثرك. وربما بقي منه شيء في حياة إنسان بعد أن نسيت أنت أنك صنعته.
وهنا يتحرر الإنسان من سؤال: ماذا أخذت من الحياة؟ ليبدأ في طرح السؤال الأعمق: ماذا تركت فيها؟
فالحياة لا تُقاس بما أخذته منها، بل بما تركته فيها.

أضف تعليق