العلاقة بين إرادة الإنسان وما تفرضه عليه الأقدار علاقة تكاملية، تحمل روح التفاعل بين المشيئة الإلهية والاختيار البشري.
فالإنسان يملك السعي والإرادة، لكنه لا يملك النتائج، بل يجري عليه القدر؛ لذلك يظل يتحرك بين الاختيار والتسليم.
ففي بعض الأحيان تكون أنت من يرسم الطريق، وفي أحيان أخرى يكون الطريق كيانًا يسير بك، فلا تملك إلا أن تقتفي أثره.
ولعل أجمل ما في الرحلة أن تعرف متى تقود الطريق، ومتى تدع الطريق يقودك.
ليس من الحكمة أن يعاند الإنسان الأقدار، وإنما الحكمة أن ينازعها المنازعة المشروعة؛ فيدفع القدر بالقدر، ويقاوم البلاء بالأسباب، ويواجه المرض بالعلاج، والفقر بالسعي، والجهل بالعلم.
ومن التعقل أن تدرك متى تمضي باختيارك، ومتى تتعلم مما لم تختره.
وهنا تكمن الحكمة؛ أن تعرف متى تقود الحياة بإرادتك، ومتى تدع تجاربها تقودك، لتصنع منك إنسانًا أكثر نضجًا، وأعمق بصيرة.
فليس كل ما نختاره ينفعنا، وليس كل ما يُفرض علينا يهزمنا.
وكثيرًا ما تكون المنعطفات التي لم نخطط لها هي التي تقودنا إلى أفضل ما فينا؛ لأنها تكشف عن طاقاتٍ ظلت كامنة، وقدراتٍ ما كانت لتظهر لولا هذه المنعطفات.
فالطرق المستقيمة تمنحنا الطمأنينة، أما المنعطفات فتصنع فينا القوة، وتوقظ روح التحدي، وتدفعنا إلى تجاوز حدود ذواتنا، حتى نكتشف إمكاناتٍ لم نكن نعلم أنها تسكننا.
وكم من طريقٍ أغلقته الأقدار، فإذا به يفتح أبوابًا لم نكن لنطرقها، وكم من مسارٍ تبدل على غير إرادتنا، فإذا به يقودنا إلى آفاقٍ أوسع، ومساحاتٍ جديدة من الألق والازدهار.
فلا تحزن إذا غيّرت الأقدار مسارك؛ فقد لا تكون قد صرفتك عما تحب، بل ساقتك إلى ما هو خير لك.
فالطريق الذي لم تختره، قد يكون هو الطريق الذي اختارك؛ ليقودك إلى الإنسان الذي كان ينبغي أن تكونه.

أضف تعليق