خلف كل محاولة للنسيان، ومع كل قرار نتخذه بأن نصمد ونمضي في دروب الحياة غير عابئين بثقل الرحيل وصعوبته.
يظل هناك صوت خفي يهمس في أعماق الروح بأن شيئًا ما زال ناقصًا، وأن جزءًا منّا بقي هناك، حيث بدأنا.
نمضي بعزمٍ ظاهر دون التفات، وما إن نظن أننا تجاوزنا الماضي، حتى نجد أنفسنا نرتد في الخفاء شوقًا إلى بقايا الأثر، وإلى عبق الذكريات التي غادرتها الأجساد، ورحلت عنها الأنفاس، لكنها بقيت معلقة في زوايا المكان، وفي تفاصيل لا يراها إلا أصحابها.
نحاول أن نقنع أنفسنا بأن الماضي قد انقضى، وأن الطريق إلى الأمام لا يحتمل الالتفات، لكن القلب يتساءل في دهشة: لماذا لا نستطيع أن نقطع تلك الخيوط الخفية؟ ولماذا يعود الحنين كلما ظننا أننا تجاوزناه؟
لعل الجواب أن الإنسان لا يستطيع أن يقطع جذور وجوده، وإلا أصبح كالنبتة المنبتّة عن أرضها؛ قائمةً في الظاهر، لكنها فاقدةٌ لمصدر حياتها.
بيننا وبين الأمكنة عهدٌ قديم، فكما أن للبشر ذاكرة، فإن للأماكن ذاكرة أيضًا. تحفظ خطواتنا الأولى، وضحكات الطفولة، وأصوات الأحبة، وتختزن في جدرانها شيئًا من أرواح من مروا بها.
ولذلك، فإن كل محاولةٍ للابتعاد تبدو كأنها دورانٌ في حلقة مفرغة يعود مركزها دائمًا إلى المنشأ. نصمد بعقولنا، ونرسم خطوط الرحيل بإرادتنا، لكن ما إن تلوح في الذاكرة ملامح الديار، حتى تذوب الحواجز، وتخفت صلابة العزم، فنجد أنفسنا عائدين إلى مرفأ الأمان الأول.
وهناك، في دفء اللمة العائلية، وتحت سماء الديار القديمة، ندرك أن عودتنا ليست هروبًا إلى الوهم، ولا ضعفًا أمام الذكريات، فالحنين ليس انهزامًا، بل اعترافٌ صادق بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا جذور.
فنحن لا نعود إلى الحجارة، بل إلى أنفسنا الأولى. نعود نبحث عن الطفل الذي كنّاه، وعن الوجوه التي أسهمت في تشكيل ملامحنا، وعن الضحكات التي ما زال صداها يتردد في الأزقة والبيوت، وإن غاب أصحابها.
فالديار ليست مجرد مكان نسكنه، بل هي جزءٌ مما يسكننا. وكلما ابتعدنا عنها، اكتشفنا أن المسافات قد تُباعد بين الأجساد، لكنها تعجز عن اقتلاع الجذور من القلوب. وتظل الديار هي البوصلة التي تكسر حدّة صمودنا، وتعيدنا دومًا إلى حيث كان القلب حيًّا.
فالعودة إلى الجذور ليست عودةً إلى المكان فحسب، بل عودةٌ إلى المعنى، وإلى الذات الأولى التي منها بدأ كل شيء.

أضف تعليق