Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

الكرامة تُصنع

تكشف الأحداث التي نشهدها، مهما كانت نهاياتها، حقيقةً تكاد تكون كالشمس في وضوحها: 

أن طريق النهوض والنصر يبدأ بالكرامة قبل أن يمر بأي شيء آخر.

فهل تُمنح الكرامة أم تُصنع؟

الجواب: كلاهما.

لقد منح الله أصل الكرامة للإنسان منذ خلقه، بأن نفخ فيه روحه، وجعلها جزءًا من فطرته وتكريمه.

لكنها قد تُطمس حين يرضى الإنسان بالذل، 

أو يخضع للاستبداد في المجتمعات المقهورة.

أو حين يفقد رسالته في الحياة.

إلا أن الكرامة تُصنع أيضًا؛ إذ تُستعاد بالوعي، وتُبنى بالاستقامة، 

وتترسخ حين تصبح ثقافةً تسري في المجتمع، وحين يؤدي الإنسان وظيفته في الكون كما أمر الله.

فالكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل قيمة تُبنى في النفوس، وثقافة تُغرس في المجتمعات. 

وحين تُنتزع الكرامة من الإنسان، أو يُربّى على الخضوع وقبول الذل، يفقد شيئًا من إنسانيته قبل أن يفقد حقوقه.

فيغدو الذل عند بعض الناس أمرًا مألوفًا، ويصبح قبول الإهانة أهون من مقاومة الظلم.

الكرامة نقيض الخنوع، وهي التي تمنح الإنسان الثقة بنفسه، وتقديرًا لذاته، وقدرةً على رفض كل ما يمتهن إنسانيته وكرامته.

والكرامة ليست صخبًا ولا استعلاءً، بل قوةٌ هادئة يحفظ الإنسان بها نفسه من المهانة، ويبلغ بها غايته وإن طال الطريق.

وكرامة الإنسان هي جوهر وجوده؛ فإذا ضاعت، بقي الجسد شاخصًا، لكن الروح مقيدة، والإرادة منكسرة.

وأعظم الكرامة لزوم الاستقامة؛ لأن الاستقامة تحرر الإنسان من عبودية الشهوات، 

وتكفيه ذل الرغبات، وتفطمه عن المنكرات، فيحيا عزيزًا بنفسه، عزيزًا بمبادئه، عزيزًا بربه.

فالكرامة لا تبقى حيةً إلا إذا صانها الإنسان وحفظ أساس وجودها؛

 بموقفٍ شجاع، وكلمةِ حق، واستقامةٍ لا تساوم على المبادئ.

فما من أمةٍ نهضت إلا حين استعادت كرامتها، 

وما من إنسانٍ بلغ رسالته إلا حين رفض أن يبيع كرامته بثمنٍ من الدنيا.

أضف تعليق