Dr. Hanan Husaini

.

مناقشة قضايا تتناول الإنسان والمجتمع

انهيار الوهم … 

سقط الرداء … وبانت الحقيقة … فإلى أين تمضي البشرية؟

 ما نراه اليوم ليس أزمة عابرة في النظام العالمي، بل هو انكشاف كامل.

لقد تحوّل نظامٌ كان يَدّعى الدفاع عن القيم ظاهريًا إلى نظامٍ يعلن انخلاعه عن كل القيم. 

نظام يمارس نفاقًا أخلاقيًا يُجمّل القبح، ثم يجاهر به بفجاجة أخلاقية مكشوفة مفضوحة.

ومن نظامٍ يزعم استخدام القوة لإحقاق الحق، إلى نظامٍ تُستخدم فيه القوة لفرض الإرادة وتحقيق المصالح. 

لقد انزاحتَ الغشاوة وانهار وهم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعدالة الحكم.

لم تسقط الديمقراطية لأنها فشلت، بل لأنها استُخدمت بلا أخلاق. 

تحولت من قيمة إنسانية إلى أداة ضغط سياسي. تُرفع في وجه الخصوم، وتُدفن عند الحلفاء.

أنظمة قمعية تُسامَح، وشعوب تُدان، وصناديق اقتراع تُحتفى بها هنا وتُشيطن هناك.

المعيار لم يعد إرادة الشعوب، بل موقع الدولة على الخريطة السياسية.

ما نشهده اليوم يمثل نموذجًا صارخًا لانقلاب القيم، إذ ما تزال بعض الدول ترفع شعارات أخلاقية، بينما تأتي ممارساتها على النقيض منها.

كما نشهد عودة صريحة إلى منطق الغابة حيث لا قانون، لا ضوابط، لا قيم حاكمة. 

لقد مُزّقت أستار الادعاء، وكُشفت الكذبة كاملة. 

فأصبح العالم يرى نفسه في المرآة بلا مساحيق.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد فوضى؛ بل نعيش نظامًا جديدًا قيد التشكل. 

نظام تتراجع فيه المرجعيات المشتركة، ويضعف فيه سلطان القانون، 

وتذبل فيه الثقة بالشعارات التي طالما قُدمت بوصفها قيماً عالمية، 

لم يعد خرق القانون استثناءً، بل أصبح القاعدة.

 ولم تعد السيادة مبدأً، بل امتيازًا مؤقتًا تمنحه القوى الكبرى وتسحبه.

لن يعود القمع في احتياج إلى خطاب ولا الاعتقال إلى تبرير، ولا الفساد إلى إنكار. 

القانون لم يُلغَ، بل أُفرغ من مضمونه.

يُستخدم حين يخدم الأقوياء، ويُهمل حين يقيّدهم، ويُعاد تفسيره حين يفضحهم.

وهكذا انتقل العالم من نظام يخضع فيه السلاح -شكليًا- للقانون، إلى نظام يُعاد فيه تعريف القانون وفق ميزان السلاح.

غير أن الإشكالية لا تكمن فيما نشهده فحسب، بل فيما لم نشهده بعد من تداعيات باعتبارها الأخطر؛ 

فحين تتراجع المرجعيات، وتُمحى الخطوط الحمراء، وتفقد المبادئ قوتها الملزمة، يصبح العالم أكثر قابلية لتطبيع الاستثناء حتى يغدو قاعدة. 

ليس الخطر في انهيار الوهم، فالحقيقة مهما كانت مؤلمة تبقى خيرًا من الوهم،

 وإنما الخطر أن نعتاد القبح بعد انكشافه، وأن يصبح الظلم مألوفًا، 

والأخطر منه أن نكتفي بالوقوف متفرجين على مسرح الأحداث. 

فإذا كان الرداء قد سقط، وبانت الحقيقة، فماذا بقي لننتظره؟

أضف تعليق