الاصغاء إلى الوجود 

الكون يتحدث إليك … تعلم فن الإصغاء إليه.

كلما اتسع نطاق حاسة السمع لدينا، ليمتد إلى قلوبنا وأرواحنا، تزيد قدرتنا على الإصغاء إلى أصوات الحياة من حولنا … وتتسع آفاقنا الإدراكية والمفاهيمية.

الإصغاء لا يكون من خلال حاسة السمع فقط وإنما يتجاوزه لآليات استشعار لها القدرة على التقاط الأصوات، وهي موجودة في قلوبنا وأرواحنا.

يقتضي الإصغاء التركيز وتفاعل القلب والمشاعر ودفع المشتتات. 

وهو يختلف عن الإنصات الذي يقتضي ترك الأشغال والسكوت والتفرغ للاستماع.

يروي لورانس فان دير بوست في كتابه “العالم المفقود في صحراء كالاهاري” عن الوقت الذي عاشه بين السكان الأصليين واصفاً صدمتهم عندما اكتشفوا أنه لا يستطيع سماع النجوم.

في البداية، افترضوا أنه لا يقول الحقيقة، ولكن عندما أدركوا أنه لا يستطيع حقًا سماع النجوم، شعروا بحزن عميق.

يعتقد شعب بوشمن القاطن في الصحراء، أن عدم القدرة على سماع الطبيعة هو أخطر مرض يمكن أن يصاب به الشخص باعتباره علامة على الانفصال العميق عن العالم من حوله. 

الإصغاء مستويات عدة تبدأ بالإصغاء إلى الذات لتنتهي بالإصغاء للوجود.

لا يمكنني الإصغاء لأي شيء حولي دون أن أكون مصغيا لذاتي أولاً، فهو طريقي لمعرفة ذاتي.

الاصغاء شهادة تقر بوجودنا على هذا الكوكب بصفتنا ضيوفا، كما تؤكد قرابتنا للأنواع الأخرى في شجرة الحياة.

“نحن حين نصغي إلى أصوات الأماكن البرية، نسمع أحاديث بلغة غير لغتنا” (روبن وال كيميرير).

إن صنع المعنى من خلال الصوت سمة عامة في جميع المخلوقات وأشكال الحياة الموجودة حولنا.

الإصغاء فن نتعلمه في سعينا لتحقيق التفاعل الهادف مع ما يحيط بنا -ولو كان بعيدا، باعتباره أمر مهم وضروري لاتزاننا النفسي.

الإصغاء مفتاح لسماع أصوات الحياة من حولنا وهو بالتالي طريقنا في الاتصال بالخالق موجد الوجود.

جعل الله آذاننا الداخلية متناغمة مع أصوات الكون والمخلوقات من حولنا، فقط نحتاج لمساحة من الهدوء والإنصات، وبعدها سننبهر بما سيفتح الله علينا من فهم ومعرفة.

ولكن كيف نصغي للحياة من حولنا؟

تهيئة المناخ المناسب لاستجلابه، فالإصغاء للكون ومخلوقاته واستشعار النفحات الروحية يبدأ بالموت عن الرغبة في الكلام والتواصل مع المحيط بقلوبنا وأرواحنا.

نحن نصغي للقمر حين نتأمله في ليلة اكتماله.

ونصغي لهدير البحر حين نغوص بأعيننا في لجته. 

ونصغي لسنابل القمح حين نرقب تمايلها مع الريح، ونرى لونها الذهبي حين انعكاس الشمس على سطوحها في المغيب.  

إلا أن اعتياد الضجيج والأصوات الصاخبة، قد يُضعف القدرة على الإصغاء، عندها يُصاب المرء ببلادة حسية،

فيصبح غير قادر على سماع ذاته أولا ومن يحيط به ثانيا من بشر وحفيف شجر وسريان رياح وهطول مطر.

لنعتاد الإصغاء حتى تصبح حياتنا أعمق، وتغدو علاقتنا بالوجود أشد وأمتن. 

أضف تعليق