وفقا لابن خلدون فإن الدول لا تسقط وإنما تتراجع كتراجع الليل ليبزغ الفجر. ففي كل مرحلة تراجع تحمل تلك الدولة بعضا من المعاني والقيم التي قامت عليها.
هل ممكن أن تسقط … سقوطا يشبه سقوط الإمبراطورية الرومانية في سالف الزمن؟
وكأن الأحداث تقاس ببعضها البعض. يقدم سقوط الإمبراطورية الرومانية دروساً للبشرية، في الانهيار السياسي والاقتصادي والتردي المجتمعي الذي حدث من الداخل متزامنا مع عوامل خارجية أحاطت في الدولة الرومانية.
لم تُبنَ روما في يوم؛ فقد تأسّست الإمبراطورية الرومانية تدريجياً وازدهرت تباعاً، بحيث أصبحت واحدة من أكبر الإمبراطوريات في تاريخ البشرية الممتد.
لم تسقط روما في يوم أيضاً، استمر الانهيار على مدى أربعة قرون، وبلغ ذروته في تدهور نهائي عندما عُزل أخر امبراطور، والذي انتهى بدخول أوروبا العصور المظلمة.
إلا أنه من المذهل أن الإمبراطورية الرومانية لم تسقط قبل وقتٍ طويل من تاريخ سقوطها الفعلي. فقد استطاع قادتها ضبط الأمور حتى القرن الخامس، رغم تضعضعهم الداخلي وانقساماتهم. وهذا ما نراه في مشهد … وذلك من حيث الآليات التي يتبعها النظام الرأسمالي حين تعرضه لهزات سياسية واقتصادية.
كما لم تسقط روما بسبب قضية واحدة، بل بسبب عشرات القضايا والمشكلات التي واجهتها على مدى عقود -إن لم تكن قروناً- فقد عرفت الإمبراطورية الرومانية في القرنين الرابع والخامس بعضاً من أسوأ القيادات التي مرّت على تاريخها؛ الأمر الذي قادها إلى سقوطٍ مُذهل ومُذلّ لواحدة من أعظم الحضارات في التاريخ.
فهل سيكون سقوط … النهائي كسقوط عصا سيدنا سليمان عندما نخرها الدود فسقطت وسقط معها، فكان فيها إعلان موته، منهيا بذلك آخر صورة لتلك المملكة الكبيرة الموحَّدة.
إن الفراغ الذي حدث للعصا وسقطت بموجبه، كان بسب النخر لمحتوى تلك العصا. فقد تآكلت عصا سليمان من الداخل ببطء، وفق صيرورة زمنية مستمرة، حيث أفرغ السّوسُ خشبَها حتى أصبحت هيكلًا أجوف. وكأن عصاه قد أجّلت زمن السقوط. فالنخر الذي أصاب القيم الأساسية التي قامت عليها … من حرية وعدالة وقانون تَحَقَق تواريها واضمحلالها، باعتبارها المضمون والمحتوى للحيز الوجودي الذي قامت عليه تلك الدولة -ويُقاس عل ذلك الدول بمجموعها.
عندما يحدث إفراغ للمحتوى الثقافي والديني والاجتماعي والحضاري، تبقى الهياكل الخارجية للدولة ثابتة لمرحلة زمنية، إلا أنها سرعان ما تتهاوى.
تمثل … في حالتها الراهنة، المرحلة السابقة لسقوطها الفعلي، الذي سيتبع سقوطها الأول -المعنوي والأخلاقي والإنساني، بسبب قيامها على اغتصاب أرض الآخرين سابقا ولاحقا!
فما نراه من التردي في مناحي عديدة إنما هو إشارة مبدئية لهذا السقوط المقبل.
إن التفكيك القادم … هو التفكيك من الداخل، خاصة مع ارتفاع موجات المد اليميني المتطرف المتصهين وتراجع مستويات الديمقراطية والحريات، وإضعاف القدرة على الاندماج والتعايش، عوامل جميعها ستساهم في سقوط الدولة في القريب العاجل، إذا لم يبادر المجتمع ذاته للعمل على تغيير منحى السقوط.
الفرق بين سقوط الحضارتين -إن تجاوزنا في إطلاق مسمى الحضارة على… – ينحصر في وسائل الاتصال التي تعمل على نقل الحدث بالصوت والصورة، فتملأ الكون ضجيجا، سرعان ما يتفاعل معه البشر في أصقاع الأرض.
ملاحظة: فهم المقال يتطلب من القارئ مهارة إكمال الفراغ.