هل الإنسان صانع التاريخ، أم أنه منفعل به ولا دور له فيه؟
اختلفت التوجهات والرؤى حول هذا الموضوع؛ فمنهم من يرى أن الإنسان مشروع مفتوح على جميع الاحتمالات، عبر ما يختاره لنفسه وأن اختياراته ليست نهائية أو مغلقة، فهو يستطيع تغيرها أنّى شاء.
وهناك رؤيا أخرى تعتبر أن التاريخ تحكمه روح مطلقة، وهي أعلى أشكال الوعي، والإنسان منفعل في هذه الروح المطلقة باعتبار وجود الوعي لديه، أي أن الإنسان خاضع لحتمية التاريخ لا يستطيع منها فكاك.
ولكن، أين نحن من هذه الرؤى؟
إن قانون التكليف والمسؤولية الذي أنيط بالإنسان يستلزم الحرية والاختيار؛ أي أن الإنسان حر عبر اختياراته، وأن اختياراته ليست مغلقة أو نهائية.
والتاريخ دائم التحرك، فهو في صيرورة، ورحابة الكون تسع حركة التاريخ والفاعل فيها هو الإنسان.
باعتباره صانع الحدث والموجه الفعلي له، دون شروط سابقة يخضع لها، ذلك أنه مؤهل لتغيير هذه الشروط.
إن مَلء هذا العالم بفضائه المكاني والزماني بالقيمة، هو جماع وظيفة الدين ذاتها، والمؤهل الوحيد لها هو الإنسان، وعلى اساس فعله يُحاسب.
الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يرتفع على ذاته أو يهوي دونها، على عكس المخلوقات الأخرى، كالملائكة والحيوانات، فالملائكة لا تملك إلا أن تكون ملائكة، والحيوانات هي الأخرى لا تملك إلا أن تكون حيوانات، أما الإنسان فقادر على أن يرتفع إلى السماء حيث النجوم، أو أن يغوص في الأرض حيث الوحل والمستنقع.
لكن من يصنع التاريخ، أنت أم غيرك!
يُعتبر تفاعل الإنسان مع مجريات التاريخ بُعدا من أبعاد الإنسان المكونة له، يتم من خلاله مواجهة التاريخ وصناعته.
يستطيع الإنسان أن يصنع التاريخ إن قرر أن يمسك بزمام نفسه.
وإذا انفلت التاريخ من يد الإنسان، لا يعني أنه خاضع له فقط، بل يعني أيضا أن الغير يصنعه، بعد أن تخلي هو عنه.
فعلاقة الانسان بحركة التاريخ علاقة تفاعلية، يصنعها الإنسان من خلال استثمار حركته.
ولو فقه هذا الإنسان فلسفة التاريخ وصيرورته، وعدم ثباته، لعلم ان الأحداث إنما يصنعها من يمتلك أملا في الغد، وعقلا يعمل في الحاضر، ورؤيا للمستقبل. ذلك أن.
فالتاريخ يسير كنهر جار قد يكون مدمرا، يقطع الشجر ويلقي الحجر، يستطيع الإنسان توجيهه ومقاومته ببناء السدود، وشق القنوات، وذلك بالاستفادة من طبيعته.
أما تاريخك فأنت من يصنعه، عبر قرارتك واختياراتك. تمرد واخلع عنك شروطا مسبقة، وادفع القدر بالقدر، إنما يصنع التاريخ الرجال.