ضجيج الصمت …عندما يسقط في الصمت كل الكلام….
لماذا يصمت الإنسان؟ و هل الصمت متاح لنا دائماً؟ أم أنه خيار للإنسان عندما تنتهي الخيارات جميعها، فيصبح اضطرارا؟
الصمت نوعان: صمت اختياري وصمت اضطرتنا الحياة للسكون إليه.
النوع الأول: صمت مرغوب، فنحن نصمت عندما نزاول فعل التأمل، وعندما تحلق الروح في عالم سماوي. هو صمت روحاني، معانيه عميقة، لا يسعه إلا أصحاب القلوب العظيمة، ففيه عبور الحواس إلى أعماق الذات، وإنصات للوجود، وحضور الكلام لدى العقل دون الحاجة للخروج إلى الواقع.
أما الصمت الذي ندخله مضطرين غير مختارين؛ يكون لأسباب عديدة، منها ما كان نتيجة لطبيعة العصر الذي نعيش، فهو صمت اضطرتنا الظروف المحيطة بنا إلى الفرار إليه.
لكن ما هي الأشياء التي تجعلنا نلوذ بالصمت و تمنعنا من البوح؟
لربما يصمت الإنسان عندما تصدمه الحقائق،
ويصمت عند مواجهة الشدائد،
ويصمت حين يعي أن الكلام لن يجدي،
ويصمت عندما يخاف انكشاف ذاته أمام الملأ، ويصمت لأنه يخشى على ذاته من الآخر،
ويؤثر الصمت عندما يشعر بضمور الألفة تجاه شخص ما.
اذا اشتدت الرياح وانسدت مناحي الحياة، فأصبح المرء يعيش أياماً رياحها عاتية، وأفكارها متشابكة، تكاد لا تنفك أحدها من الأخرى.
عندها نجد في الصمت وحديث الذات سلوى وعزاء. فمن منا لم تحدثه ذاته!
تتراقص الكلمات في خيال المرء قبل أن تضع خطاها على لسانه أو على ورقته،
وقع خطاها هو من يفسح لها المجال في الوجود.
عندما تزداد وطأة الكلمات وتتزاحم في الخيال يُصبح عقل الانسان أبكم لا يعلم بأيها يتحدث.
يحبس الإنسان كلماته لانه يعلم إن اعطاها المجال وخرجت ستحدث جلبة قد لا يستطيع مواجهتها فيلجأ للصمت.
الصمت دواء وداء؛
دواء عندما ننقطع عن صخب الحياة وضجيجها، فترتاح ذواتنا.
وداء عندما يتحتم علينا البوح ولا نستطيع! لأننا أدمنا الصمت.
ويبقى الصمت على بعض علاته أفضل من الصخب والثرثرة التي لا طائل منها، ولا يرتجى منها فعل رفيع.
ويكفينا أن قال عنه الإمام علي رضي الله عنه: “الصمت يكسبك ثوب الوقار، ويكفيك مؤنة الاعتذار”.