حراسة الفضيلة في المجتمع …
وهب الله الإنسان ملكة الذوق الإنساني، يتذوق الإنسان من خلالها الجمال الساري في هذا الكون الفسيح.
الذوق بساط الارتقاء والسمو بالروح عن مدنـساتها الأرضية و البهيمية التي إذا أذعنت لها النفس ذاقت الويلات.
الذوق فضيلة من الفضائل، وقيمة من القيم النفيسة التي تسمو بالسلوك.
الذوق كلمة موحية بالجمال، واللطف ، وحسن الخلق، وسلامة التصرف.
تحتضن دلالة الذوق معاني النبل الإنساني، والرقي الروحي الذي به يترفع الإنسان عن عالم الحيوان.
الذوق رفعة، وقيمة، وفضيلة تتوج منظومة القيم الإنسانية التي تُرشّد تصور الإنسان وتصرفه ليصبح له معنى.
تعتبر مسألة فساد الذوق وانحراف ملكته مشكلة إنسانية تشترك فيها المجتمعات، لأنها ترتبط ببعد من أثقل الأبعاد التي تشكل الوجود الإنساني، ألا وهو البعد القيمي ـ الأخلاقي.
فالذوق يلامس مسألة القيم التي يكتسب بها الإنسان معنى وجوده.
أوقع إطلاق الحرية المفرطة في كل شيء البشرية في أزمة ذوق، أتت خلاصة لانحراف الرغبات والحاجات، و حملت في طياتها ملامح أزمة الإنسان.
إن المطلع على الانحرافات الذوقية المعاصرة ليجدها انحرافات مادية في المأكل و المشرب و الملبس … ، وانحرافات معنوية تشكل جزء من ثقافة الإنسان، ومحلها العقل والقلب والروح. تمليها رغبات زائفة تتشابك وتتكامل لتشكل عالم من الفقاعات، وتتحكم فيها ـ طبائع، وخلفيات، وعقائد، وأعراف … ،
إن الانحراف في الذوق الإنساني المشتـــرك والطبيعي تجـــاوز مسألة الخصوصـــــية والفردانية، فساد يدل على أن إنسان اليوم تحرر من كل المقومات والخصائص و السمات التي تتشارك في تحديد معاني الأذواق .
اجتمع طغيان الماديات مع وسائل الإعلام المضللة لحرف الذوق عن مساره السليم فتحول الإنسان إلى حيوان مسعور يلهث وراء كل منتج جديد.
تسعى وسائل الإعلام اليوم بما تملكه من ترسانة معرفية وتقنية في توجيه وتضليل الرأي العام، ويرتقي هذا التضليل رويدا رويدا ليطال مسألة الذوق الإنساني.
يتطلب انحدار الذوق انتباهة سريعة ويقظة قوية، من أجل إعادة الاعتبار إلى إنسانية الإنسان التي عبث بها الماديون فجعلوا الإنسان بعيدا عن طبيعته.
كما أن حجم الاعوجاج والانحراف في أذواق بعض الناس اليوم، يستدعي وجود جملة من المعايير التي تضبط تصرفات الناس.
فلكي يكون الذوق سليما لابد أن يتأسس على جملة قواعد وقيم إنسانية مشتركة، وينأى عن كل تصور تعود نتائجه بالتعاسة على وجود الإنسان.
ينضبط الذوق من خلال معايير يضعها الدين وثقافة المجتمع. ويرتقي الذوق عندما يتوافق مع الفطرة والعقل … و غيرها من المفاهيم الشرعية والكونية.
إن من بين المعايير الكفيلة لانضباط الذوق حتى يكون ذوقا سليما ، أن يكون مستحسنا لدى العقول السليمة، ومتوافقا مع دواعي الفطرة التي فطر عليها الإنسان، فالحياء ذوق جامع لمحاسن الأخلاق.
فكل تصرف حاد عن نهج الفطرة، ومجته العقول، اعتبر فاسدا، وإن كان مستحسنا عند بعض الناس الذين انحرفت عندهم هذه المعايير، فاختلط عليهم الحسن بالذميم، والصحيح بالسقيم.
و أقوى المعايير التي نصنف بها الأذواق أن لا تتعارض مع المفاهيم الكونية التي وضعها الله للجمال المتعارف عليها والمستحسنة لديه.
ينبغي للذوق أن يوجه نحو تحقيق سعادة الإنسان وطمأنينته في الدنيا والآخرة، وأن يساهم في رقي الوجود الإنساني، فكل الممارسات التي يكون مآلها التعاسة والضنك، تحتضن عوامل المتـــــعة الزائفة، سواء ما كـان منها ماديا أو معنويا فهي الأخرى أذواق فاسدة .
الارتقاء بالذوق الإنساني مهم.
لما له من أهمية في حراسة الفضيلة في المجتمع، باعتباره قيمة، لا يستقيم صرح المنظومة القيمية في المجتمع بدونها.
لابد من تصحيح المسار ، من أجل ولادة إنسانية جديدة، تحمل معاني الذوق.