أصبح وجه الحياة الجديد يغص بجدران لامرئيّة مبثوثة في الفضاءات المختلفة، لا تفصل بين الهويات والحضارات والأعراق فقط! وإنما تجاوزتها لتصبح بين الذوات.
لقد ذهب عصر الجدران “المرئية” بين الشعوب، وجاء عصر الجدران “غير المرئية” فأصبحنا كالجزر المنعزلة نعيش منفصلين عن بعضنا البعض.
نراقب الحدث عن بعد ولا نشترك في صناعته، نكتفي بالتصفيق أو الانتقاد، أصبح معظمنا متفرجين وشاهدين على ما يدور، ننظر إليه من بعيد، من شباك القلعة، نرى أجزاء من المشهد ونحكم عليه.
درج الإنسان على بناء الجدران لحماية نفسه ومن يحب من ضربات الآخرين، وكذلك هو الحال فيمن يبني حول ذاته سور من العزلة خشية اختراق أحدهم خصوصيته.
الداعي لبناء جدران الذات هو ذاته الدافع وراء تشييد القلاع وبناء الجدران، نقطة الاختلاف هنا، أن الاول يكون في مجال المشاعر والأحاسيس، أما الثاني فيكون في المجال المادي.
يتسابق بشر العالم ببناء جدران تعزلهم عن الآخرين، يبني ويبني ويستمر الإنسان في البناء إلى تتحول الجدران المحيطة به إلى سجن يضيق عليه يوما بعد يوم.
ف تشيد الجدران وتعليتها يؤدي في نهاية المطاف إلى الاختناق.
لكن لماذا يبني الإنسان الحصون والقلاع؟
كثيرة هي المسببات، ومنها طلب الراحة، فهل نشعر بالراحة بعد بناء الجدران ؟ ممكن ولكن مؤقتا!
فهل بناء الجدر يكمن الحل؟ أم أن الحل يكمن في معالجة المشكلة التي جعلت البشر ينعزلون عن بعضهم البعض.
هل العودة إلى معاني الإنسانية الكامنة فينا يساهم في حل الإشكال؟
معاني الانسانية التي تتمثل في بذل الخير، والإحساس بالآخرين، وإقالة عثراتهم بدل تصيدها وتسليط الضوء عليها.
إن الإنسان أي إنسان يحتاج لمن يربت على كتفه ويطمئنه أن الحياة لازالت بخير، وأن هناك من يهمه أمره، فقد صممت الحياة على أساس التعاون بين البشر لا العكس!
ويبقى أن الحياة بين الجدران حياة ضنك وعذاب، إلا من كان لروحه معراج يخرج فيه من ضيق الجسد إلى سعة السماء.