توارث الأخلاق وفعل الاستنبات

الخُلُق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة، فالخلق الحسن دليل حسن الباطن والعكس صحيح، كلاهما انعكاس للداخل.تُكتسب الأخلاق من خلال تفاعل الإنسان مع الآخرين، كما تنتقل عبر التوريث. وذلك بسبب انتقال تلك الصفات من جيل إلى آخر يمتد عبر الزمن، فتتكون بذلك سمات يتميز بها شعب دون آخر.فقد اشتُهرت بعض الشعوب بصفات ميزتها عن غيرها؛ منها مااشتهر بالشهامة والمرؤة، والجود ولين الجانب، وغيرها من الصفات، حسنها وقبيحها.

ولكن …. كيف يحدث هذا الانتقال؟ وهل بالإمكان استنبات الأخلاق وتوريثها؟يتصل فعل الاكتساب أو الانتقال بحقيقة الخُلُق، وكيفية تكوينه من الناحية النفسية.يبدأ الخُلق -بنوعيه الصحيح والسقيم- ميلاً ضعيفاً، فيشتد ليصبح رغبة، ثم بالمزاولة يصير إرادة راسخة في النفس، تصدر الأعمال عنه دون تفكير. دوام فعل التخلق في الذات، يُحول الخُلق إلى صفة دائمة لدى الإنسان، إن أخذ الخُلق حظه من الاهتمام والرعاية، فإنه يَثبت في النفس ويسري في الآخرين، وتتناقله الأجيال.

إن فعل التعهد للأخلاق المرادة هو المقصود بالاستنبات. فالإنسان مَعْنِي بتحسين سلالات النبات والحيوان، فعندما يستنبت الزرع يختار أفضل البذور للاستنبات، وعندما يقتني مركوباً فإنه يختار أفضله.فلماذا ينصرف الإنسان عن استنبات الخصال الحميدة في ذاته وبيئته، فينميها في نفوس أبنائه ومجتمعه.لو حدث ذلك لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من ترد في الأخلاق!

إن الرغبة في إصلاح وتقويم السقيم من الأخلاق، يتطلب إرادة أقوى من الإرادة التي يصدر عنها. لذا كان تعهد الإنسان منذ نشأته وتكوين ميوله التي تتناسب مع المراد منه، أمر مهم وفعال، يختصر المسافات على الخلق القويم ليستقر ويتوطن في النفس.

إن النظام الأخلاقي المستقر بداخلنا، هو الذي يميزنا و يعطينا قيمتنا الإنسانية، فبقدر التزامنا أخلاقيا تتحدد مدى إنسانيتنا. فلو أخذ كل منا نفسه، وشرع بإصلاح مداركه وأخلاقه، ونسج أبناؤنا من بعدنا على هذا المنوال، لأصبحنا جديرين بالوصول إلى مستوى قريب من الكمال، وذلك بفضل ما يرسخ فينا من الصفات المكتَسبَة، فتصبح في تكويننا الداخلي، وتنتقل عبر التوارث للجيل الذي يليه.

وهكذا، تتعزز الأخلاق عند الأمم.

أضف تعليق