الاختلاف بين المنحة والمحنة …

تُعرضنا الحياة في معظم محطاتها ومراحلها لمواجهة أناس مختلفون عنا في رؤيتهم للحياة، من حيث أفكارهم وتصوراتهم ومزاجهم، الأمر الذي ينعكس على طريقة تفاعلنا معهم.

من طبيعة المرء الذي لم يعتد الاختلاف ولم ينشأ عليه، أن لا يطيق التواجد مع أولئك الذين يختلفون عنه،لأن أفكاره لا تشبه أفكارهم، ولأن بيئته تُغاير بيئتهم، فهو لم يعتدها. ولأنّه يجهلهم، فهم يتكلمون بلغة لا يفهمها، وأولوياتهم غير أولوياته.ولأن التواصل مع المشابه أسهل وأيسر، فالإنسان بطبعه يرتاح للتعامل مع من يُشبه، ومع من يحمل ذات أفكاره وتوجهاته وميوله، فهو بعلاقته معهم تتأكد صحة تصوراته.في حالة الاختلاف يضطر المرء لمراجعة أفكاره وتصوراته، فيعيش حالة من عدم الاستقرار، والإنسان بطبعه يرغب في الثبات باعتباره أمر مريح، يجنبه كثرة التفكير، وصراع الأفكار.

ولكن الاختلاف قد يكون منحة عندما نقتنع أنه صيرورة للحياة، وأنه سنة الله في الكون لا تتبدل ولا تتحول.
الاختلاف بين البشر محركا للوجود، وأداة من أدوات المعرفة،وعنصر مكمل لتاريخ العلم والانسانية.فالاختلاف كحصيلة للتنوع، أمر مفروض، واقع لا محالة. لكنه … في الأيديولوجيات المنظمة … خيانة. وفي الفاشيات التي تؤمن بالنسخ المكررة … مروق.
ليس بمقدور أحد أن يُلغي الاختلاف، كما لا يحق لأحد أن يسعى لتسويته، مستخدماً أساليب القهر والإكراه أو الوصاية.عندما يسود قانون النمط الواحد والفكرة الواحدة، ستطغى الواحدية على كل ما سواها، فيظهر التطرف والعنف ويسود الصراع عوضا عن المدافعة.

ما لهذا خلق الله الكون!بالاختلاف تتحقق المدافعة بين البشر، 
بالاختلاف يكون الابتلاء والامتحان في هذه الحياة.بالاختلاف يشق المجتمع طريقه ويتنفس.بالاختلاف تعمر الأرض وتتسع.

إن الاستثمار في الاختلاف، يكون بتحويله من مسبب فرقة وتشرذم إلى طريق تعاون وتكامل وقوة وإثراء.الأصل ألا ننشغل بالاختلاف، إنما ننشغل في البحث عن طرق للتوافق في ظل الاختلاف، والذي يُسمى بفقه تدبير الاختلاف … فأين نحن منه!

1 Comment

أضف تعليق