فلسفة البناء

فعل التشييد يتناول جميع أبعاد الإنسان، وكل مستوياته الوجودية. فكل ما في الوجود يسير وفق مبدأ البناء والتشييد، وعكسه يكون الهدم والنقض.
قد يكون التشييد على صعيد الإنشاء، أو العمل، أو العلم، أو الإنجاز، أو الإنسان بحد ذاته، كمادة وروح، جميعها يتناولها فعل التشيد بمعنى البناء والإنماء.
فهو في حال الروح يصبح تزكية،
وفي حال جسم الانسان يغدو نمو،
وفي حال المعرفة يتحول إلى علم،
وفي حال الهندسة يُقيم مبنى،
وفي حال العمل يُنْتِج خبرة،
وفي حال القراءة يكون إبداعا، يستوحي من النصوص المقروءة أفكارًا وألفاظًا تبني العقل والشخصيَّة الثقافيَّة، وهكذا ….
التشييد عمل ضخم يتناول الأمر ويتعهده منذ بدايته وحتى نهايته.
يجمع كل هؤلاء أمر واحد يدور حول الإبداع والإحكام، يحمل معنى التراكب والتراكم، يُكوّن في نهاية المطاف، منتجا ذا صيغة تحمل في طياتها إنجاز متكامل.
التشييد في العمران المادي واضح وجلي، كما هو في العمران الغير مادي الذي يتناول الأفكار والتصورات متخيلٌ ووارد.
لكن ما هو وجه الشبه بين تشييد المباني وتشيد العقول؟
وهل هناك اختلاف بين بناء الإعمار في الأرض وبين بناء الأفكار؟
في حال الهندسة، يشير البناء المُشيد إلى فكرة تطورت في العقل، لتصبح منشأ على الأرض،  تفاعلت حواس الإنسان وملكاته فأنتجته.
أما في حال العلم، تُشير المعرفة المُنْتَجة إلى مجموعة أفكار نمت وتطورت لتغدو رافدا من روافد العلم، تُشرع فيه بابا، أو توضح ظاهرة أشكلت علينا.
البناء عمل شاق سواء كان ماديا أم تجريداً، ولكنه مع ذلك ممتع ومبهج؛ لأن الإنسان يجد أن أفكاره ترجمت لواقع مادي يراه شاخصاً أمام ناظريه يتمثل في بناء حقيقي،
أو أنها تحولت من مجرد أفكار إلى قناعات، أطرت لفعل باني، وأسست لرؤى مستقبليه.
هنيئاً لمن شيّد -في أي مجال كان- فنظر، فسَعِد، وأسعد.

أضف تعليق